الشيخ عبد الغني النابلسي
113
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لهم ما جعل له من النور لمشوا به فيه كما مشى هو به فيهم . قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . فكل من أحيا نفسا ميتة بالجهل باللّه تعالى بالحياة العلمية الألوهية ولو في مسألة خاصة متعلقة بالعلم باللّه تعالى لا بما سواه فإن ذلك ليس بعلم أصلا في نفس الأمر عند العارف ، وإن سماه الجاهل علما ، لأن أحوال الناس متفاوتة كما قال تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ المؤمنون : 53 ] . فقد أحياه بها ، أي بتلك المسألة الإلهية حياة ذاتية لا عرضية علوية ، ولا سفلية نورانية ، ولا ظلمانية قلبية ، ولا نفسانية حقيقية ، ولا وهمية باقية ، ولا فانية دينية ، ولا دنيوية وكانت ، أي تلك المسألة له نورا يمشي به في الناس أي بين أشكاله وأمثاله في الصورة الآدمية فيعلو عليهم بالعلم ويسفلون عنه بالجهل [ شعر ] فلولاه ، أي الحق تعالى الذي هو نور السماوات والأرض بالعلم الإلهي الظاهر في القابل المستعد له من أهل السماوات والأرض على حسب قابليته واستعداده ، والكل قابل ومستعد لما هو فائض عليه من ذلك النور ومن طلب فوق قابليته واستعداده لا يجد ذلك ؛ ولهذا قال : ولولانا فإن النور عين الوجود ، وقد اتصف بالوجود كل شيء ، فهو متصف بالعلم ولا علم إلا باللّه كما أنه لا جهل إلا باللّه تعالى ، والجاهل ناقص العلم باللّه تعالى ، فلا جهل باللّه من كل وجه بل الكل عالم باللّه ، ولكن قال تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ، وأخبر أنه سبحانه : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ [ غافر : 15 ] ، وقال سبحانه : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] والكل آمنوا ولو من وجه والكل أُوتُوا الْعِلْمَ ولو بشيء ، فهم مرفوعون ولكن رفعتهم درجات متفاوتة ، وذلك عين ما هم فيه وهي درجاته ، لأنه رفيع الدرجات لما كان الذي كانا وهو الظهور الصفاتي في عين البطون الذاتي ؛ ولهذا قال . فإنا معشر الكائنات أعبد جمع عبد حقا على حسب ما في كل واحد من العبودية ، فالبطون بالربوبية على مقدار الظهور بالعبودية ، فمن كثرت عبوديته كثر فيه ظهور ربوبية اللّه تعالى ، ومن قلّت فيه العبودية ، كثر فيه بطون الربوبية وأن اللّه سبحانه مولانا بربوبيته لنا وهذا حكم الظهور والبطون وهما تجليان صفاتيان ، وأما التجلي الذاتي فقد أشار إليه بقوله : وأنا معشر الكائنات أيضا عينه ، أي بعد فنائنا في أنفسنا ذوقا وكشفا ، لأنه لا يبقى إلا هو . فاعلم يا أيها السالك هذه الأنانية الذاتية بعد تلك الأنانية الصفاتية